محمد حسين هيكل
91
حياة محمد ( ص )
لا أعلمه » . وأما عثمان بن الحويرث ، وكان من ذوي قرابة خديجة ، فذهب إلى بيزنطية وتنصر وحسنت مكانته عند قيصر ملك الروم ويقال : إنه أراد أن يخضع مكة لحماية الرّوم وأن يكون عامل قيصر عليها ، فطرده المكيون فاحتمى بالغساسنة في الشام ، وأراد أن يقطع الطريق على تجارة مكة ، فوصلت إلى الغساسنة هدايا المكيين ، فمات ابن الحويرث عندهم مسموما . أبناء محمد تعاقبت السنون ومحمد يشارك أهل مكة في حياتهم العامة ، ويجد في خديجة خير النساء حقّا : الودود والولود التي وهبت نفسها له ، والتي أنجبت له من الأبناء القاسم وعبد اللّه الملقب بالطاهر وبالطيب ، ومن البنات زينب ورقيّة وأم كلثوم وفاطمة . أمّا القاسم وعبد اللّه فلم يعرف عنهما إلا أنهما ماتا طفلين في الجاهلية لم يتركا على الحياة أثرا يبقى أو يذكر ؛ لكنهما من غير شك قد ترك موتهما في نفس أبويهما ما يتركه موت الابن من أثر عميق ، وترك موتهما من غير شك في نفس خديجة ما جرح أمومتها جرحين داميين . وهي لا ريب قد اتجهت عند موت كل واحد منهما في الجاهلية إلى آلهتها الأصنام تسألها : ما بالها لم تشملها برحمتها وبرها ، وما بالها لم ترحم قلبها من أن يهوى به الثّكل ليتحطم على قرارة الحزن مرة فمرّة ! وقد شعر معها زوجها لا ريب بالألم لوفاة ابنيه ، كما حزّ في قلبه هذا الألم الحيّ ممثلة صورته في زوجه يراه كلما عاد إلى بيته وجلس إليها . وليس يتعذّر علينا أن نقدر عمق هذا الحزن السحيق في عصر كانت البنات يوأدن فيه ، وكان الحرص على العقب الذكر يوازي الحرص على الحياة بل يزيد عليه . وبحسبك مظهرا لهذا الألم أن لم يطق محمد على الحرمان صبرا ، حتى إذا جيء بزيد بن حارثة يشترى ، طلب إلى خديجة أن تبتاعه ففعلت ، ثم أعتقه وتبناه ، فكان يدعى زيد بن محمد ، واستبقاه ليكون من بعد من خيرة أتباعه وصحبه . ولقد حزن محمد من بعد حين مات ابنه إبراهيم أشد الحزن بعد أن حرّم الإسلام وأد البنات ، وبعد أن جعل الجنة تحت أقدام الأمهات . فلا ريب إذا أن قد كان لما أصاب محمدا في بنيه ما هو جدير بأن يترك في حياته وتفكيره أثره . ولا ريب في أنه استوقف تفكيره ولفت نظره في كل واحدة من هذه الفواجع ما كانت خديجة تتقرّب به إلى أصنام الكعبة ، وما كانت تنحر لهبل وللّات والعزّى ولمناة الثالثة الآخرى ، تريد أن تتفادى ممّا ألمّ بها من ألم الثكل ، فلا تفيد القرابين ولا تجدي النحور . وأما البنات فقد عني محمد بتزويجهن من أكفاء لهن : زوّج زينب كبراهن من أبي العاص بن الرّبيع بن عبد شمس ، وكانت أمّه أختا لخديجة ، وكان فتى مقدّرا من قومه لاستقامته ونجاح تجارته . وكان هذا الزواج موفقا على الرغم مما كان بعد الإسلام ، حين أرادت زينب الهجرة من مكة إلى المدينة ، من فرقة بينهما سنرى من بعد تفصيلها . وزوّج رقيّة وأم كلثوم من عتبة وعتيبة ابني عمه أبي لهب . ولم تبق هاتان الزوجتان مع زوجيهما بعد الإسلام ؛ إذ أمر أبو لهب ابنيه بتسريحهما ، فتزوجهما عثمان واحدة بعد الآخرى . وكانت فاطمة ما تزال طفلة فلم تزوج من عليّ إلا بعد الإسلام . حياة طمأنينة ودعة إذا كانت حياة محمد في هذه السنين من عمره . ولولا احتسابه بنيه لكانت حياة نعمة بمودّة خديجة ووفائها ، وبهذه الأبوة السعيدة الراضية . طبيعيّ لذلك أن يترك نفسه لسجيّتها ، سجية التفكير والتأمل ، وأن يستمع إلى قومه فيما كان حوارهم يقع عليه من أمور أصنامهم ، وما كان النصارى واليهود يقولونه لهم ، وأن يفكر ويتدبّر وأن يكون أشدّ من كل قومه تدبرا وتفكيرا . فهذا الروح القويّ الملهم ، هذا الروح الذي أعدّته الأقدار ليبلّغ الناس من بعد رسالات ربه ويوجّه حياة العالم الروحية الاتجاه الحقّ ، لا يمكن أن يظل مطمئنّا إلى ما غرق الناس فيه إلى الأذقان من ضلال ، ولا بد أن يلتمس في الكون أسباب الهدى ، حتى